السيد كمال الحيدري
104
شرح كتاب المنطق
آتيه فأكلّمه بالكلام فيستوفي كلامي كلّه ثم يردّه عليَّ كما كلّمته ، ومنهم من آتيه فأكلّمه فيقول أعد عليَّ ؟ فقال ( عليه السلام ) : يا إسحاق أو ما تدري لم هذا ؟ قلت : لا . قال : الذي تُكلّمه ببعض كلامك فيعرف كلّه ، فذاك من عجنت طينته بعقله ، وأما الذي تُكلّمه فيستوفي كلامك ثم يجيبك على كلامك ، فذاك الذي ركِّب عقله في بطن أمّه ، وأما الذي تُكلّمه بالكلام فيقول : أعد عليَّ ، فذاك الذي ركِّب عقله فيه بعدما كبر ، فهو يقول : أعد عليّ « 1 » . والرواية واضحة المعنى في أنّ بعض الناس يفهمون كلامك كلّه قبل أن تتمّه ، وهؤلاء هم الذين عُجنت نطفهم بعقولهم حين انعقادها ، فأعطاهم الله القوّة المفكّرة ووهبهم قوّة الحدس ، وبعضهم لا يفهمون الكلام إلّا بعد أن تستوفيه كلّه ، وهؤلاء هم الذين ركّبت عقولهم وهم أجنّة في بطون أمهاتهم ، وبعضهم لا يفهمون الكلام إلا بعد أن تعيده عليه أكثر من مرّة ، وهؤلاء هم الذين رُكّبت عقولهم بعد أن كبروا . فبعض الناس أعطيت له القوّة المفكّرة حين كان نطفة ، وبعضهم أعطيت له حين كان جنيناً ، وبعضهم أعطيت له بعد أن كبر . وذلك لضعف استعدادهم لقبول تلك الإفاضات الإلهية ، ولم يمنحهم تعالى ما منحهم جزافاً ، بل لأسباب واستحقاقات ولتحقّق شروط فيهم تفصيلها موكول إلى محلّه . [ ولذلك أيضاً جعلوا القضايا « الحدسيات » من أقسام البديهيات ] وسوف يأتي بيانه في محلّه إن شاء الله تعالى [ لأنّها تحصل بحركة واحدة مفاجئة من المعلوم إلى المجهول عند مواجهة المشكل ، من دون كسب وسعي فكري ، فلم يحتج إلى معرفة نوع المشكل ولا إلى الرجوع إلى المعلومات عنده وفحصها وتأليفها ] . ظاهر العبارة أنّه لا يحتاج في القضايا الحدسية إلى مواجهة المشكل ولا إلى معرفة نوعه ، مع أنّ معرفة نوعه أمر ضروري ، وإلا كيف يكشف عنه ويتوصّل إلى معرفته ؟
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 97 .